مضمون الشبهة:
يزعم أعداء الإسلام أن القرآن حدثت فيه أخطاء كتابية أثناء نسخه حيث التصقت الحروف ببعضها فتغيرت الكلمات ، ويستدل أعدء الإسلام بالحديث التالي:[قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حدثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حدثَنَا الْفُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الْحَرْفَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ: {وَوَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} ، فَلَصِقَتْ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ بِالْأُخْرَى ، فَقَرَأَ لَنَا : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} سورة الإسراء آية 23 ، وَلَوْ نَزَلَتْ عَلَى الْقَضَاءِ مَا أَشْرَكَ بِهِ أَحَدٌ ، فَكَانَ مَيْمُونٌ ، يَقُولُ : إِنَّ عَلَى تَفْسِيرِهِ لَنُورًا ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} سورة الشورى آية 13.]
===================
الرد على هذه الشبهة السخيفة:
الحديث السابق هو حديث مكذوب زائف ولا تصح نسبته إلى ابن عباس ، ولم يتفوه به ابن عباس أصلاً؛ فالراوي الذي روى الحديث السابق هو فرات بن السائب ، وهو راوٍ ضعيف متروك الحديث بإجماع علماء الحديث وهو مُتهَم بالكذب لاختراع بعض الأحاديث.
=================
ثانياً:
يستدل أعداء الإسلام بما ذكره الطبري في تفسيره حيث ذكر ما يلي:
[حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، قال: حدثنا نصير بن أبي الأشعث، قال: حدثني ابن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، قال: أعطاني ابن عباس مصحفاً، فقال: هذا على قراءة أبيّ بن كعب. قال أبو كريب: قال يحيى: رأيت المصحف عند نصير فيه: (وَوَصَّى رَبُّكَ) يعني: وقضى ربك.]
وأنا أرد عليهم وأقول:
الحديث السابق ضعيف ولا تصح نسبته إلى ابن عباس أصلاً؛ فالراوي الذي روى هذا الحديث هو يحيى بن عيسى التميمي الرملي ، وهو راوٍ ضعيف بحسب رأي جمهور علماء الحديث؛ فقد قال عنه البخاري أنه مُنكَر الحديث، وقال عنه النسائي أنه ليس بالقوي في الحديث، وقال عنه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني أنه ضعيف، وقال عنه يحيى بن معين أنه ضعيف ولا يجب أن يُكتَب حديثه، وأشار ابن عَدي إلى أن كلام هذا الراوي ليس له شواهد ومتابعات تؤكده.وأبدع ابن حبان في وصف حال هذا الراوي فقال عنه:
[هو ممن ساء حفظه وكَثُرَ وهمه حتى جعل يخالف الأثبات فيما يروي عن الثقات ، فلما كَثُرَ ذلك في روايته بَطُلَ الاحتجاج به]
====================
ثالثاً:
يستدل أعداء الإسلام بما ورد في سنن سعيد ابن منصور حيث ورد ما يلي:
[حدَّثنا سعيدٌ، قال: حدثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ بنِ أَعْيَنَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنه قال: «ووصّى ربّك ألّا تعبدوا إلا إيّاه»، يقولُ: «الْتَزقتِ الواوُ بالصَّادِ، وأنتم تَقْرؤونها: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾»]
وأنا أرد وأقول:
الحديث السابق هو حديث ضعيف أصلاً؛ فالراوي/ عبد الملك بن أعين ليس على درجة الوثاقة بل هو على رتبة (صدوق) فقط ، وهذه الرتبة في الحديث لا تعني صحة أحاديث هذا الراوي دائماً ؛ لأن الراوي الصدوق يكون صادقاً لكن ليس شرطاً أن يكون جيد الحفظ ، ولذلك قد يرتكب أخطاءاً في نقل الحديث. وقد أشار الإمام ابن معين إلى ضعف إتقان هذا الراوي حيث وصف إياه بأنه ليس بشيء في الحديث.
وقال عنه الإمام البخاري: [عبد الملك بن أعين: شيعي، يُحتمَل في الحديث] ، وهذه العبارة عند البخاري تعني أن هذا الراوي عنده مشكلة في ضبط الحديث وإتقانه بالرغم من عدم تعمده الكذب.
ولذلك أشار علماء الحديث إلى أن هذا النوع من الرواة يجب فحص روايتهم أولاً قبل قبولها حيث يتم مراجعة مضمون الحديث ونصوصه للتأكد من خلوه من النكارة. وإذا وُجِدَ أي شيء مُنكَر في المضمون ، فيجب رفض الحديث.
ولذلك علَّق فريق من المحققين على الحديث السابق في كتاب (سُنن سعيد بن منصور - طـ الألوكة) حيث قالوا:
[هو حديث مُنكَر، وعبد الملك بن أعين ليس ممن يُحتمَل تفرده بهذا المتن، وقد توبع، لكنها متابعة من متروكٍ.]
====================
رابعاً:
يستدل أعداء الإسلام بما ذكره الطبراني في المعجم الكبير حيث قال:
[حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حدثنا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، حدثنا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، " يَقْرَأُ: {وَوَصَّى رَبُّكَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ}.]
وأنا أرد عليهم وأقول:
وأنا أرد عليهم وأقول:
الحديث السابق ضعيف أصلاً ، فالراوي/ يحيى الحماني قد اختلف العلماء في حاله ؛ فمنهم مَن قَبِلَه ومنهم مَن رفضه واتهمه بالكذب وسرقة الحديث. والراجح عندي أنه غير مقبول الحديث هنا.
والراوي الأعمش معروف بأنه مدلس ؛ ولذلك رفض العلماء أحاديثه المعنعنة بالإضافة إلى أن الأعمش لم يسمع أصلاً من ابن مسعود شيئاً. ولذلك ورد في كتاب (موسوعة التفسير المأثور) - الجزء الخامس - هامش صفحة ٦٥٥ ما يلي:
[لكنه منقطع، فلم يسمع الأعمش من ابن مسعود شيئًا، بل قيل: لم يسمع من أحد من الصحابة، وفي سماعه من تلاميذ ابن مسعود مقال (أي انتقادات)، وهو مشهور بالتدليس ومُكثِر منه. ينظر: جامع التحصيل للعلائي ص ١٨٨ - ١٨٩.]
======================
خامساً:
يستدل أعداء الإسلام بما ورد في تفسير الطبري حيث ورد ما يلي:
يستدل أعداء الإسلام بما ورد في تفسير الطبري حيث ورد ما يلي:
[حدثني الحرث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن الضحاك بن مزاحم، أنه قرأها (وَوَصَّى رَبُّكَ) وقال: إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصارت قافاً.]
وأنا أرد عليهم وأقول:
الحديث السابق ضعيف؛ فالضحاك بن مزاحم ليس صحابياً ولم يسمع هذه القراءة من فم النبي مباشرةً ، ولذلك هو ليس حجة على القرآن هنا.
وأما الراوي/ أبو إسحاق الكوفي ، فهو عبد الله بن ميسرة الحارثي وهو راوٍ ضعيف متروك الحديث.
والراوي/ هشيم بن بشير بن القاسم ، هو راوٍ مشهور بالتدليس والإرسال الخفي ولذلك لا تُقبَل روايته المعنعنة.
==================
سادساً:
يستدل أعداء الإسلام بالرواية التالية من تفسير الطبري:
[حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] قَالَ: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ».]
وأنا أرد وأقول:
[حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] قَالَ: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ».]
وأنا أرد وأقول:
الحديث السابق هو حديث ضعيف ، فالراوي قتادة يتكلم عن كيف كان ابن مسعود يقرأ الآية ، ولكن قتادة لم يقابل ابن مسعود ولم يسمع منه شيئاً ولم يكن موجوداً في زمانه أصلاً.
إن ابن مسعود قد مات سنة 32 هجرياً، في حين أن قتادة وُلِدَ سنة 60 تقريباً؛ أي أنه لم يسمع أي شيء من ابن مسعود.
والأحاديث المرسَلة المنقطعة التي يرويها قتادة هي من أضعف الأحاديث عند علماء الحديث ، ولذلك قال الحافظ الذهبي في (الموقظة) ما يلي:
[ومِن أوهى المراسيل عندهم: مراسيلُ الحَسَن. وأوهى من ذلك: مراسيلُ الزهري، وقتادة، وحُمَيد الطويل، من صغار التابعين. وغالبُ المحقِّقين يَعُدُّون مراسيلَ هؤلاء مُعْضَلاتٍ ومنقطِعات، فإنَّ غالبَ رواياتِ هؤلاء عن تابعيٍّ كبير، عن صحابيّ. فالظنُّ بِمُرْسِلِه أنه أَسقَطَ من إسنادِه اثنين.]
ثم إن حديث الراوي مَعمَر عن قتادة فيه ضعف نظراً لأنه مَعمَر سيء الحفظ لكلام قتادة.
======================
سابعاً:
يستدل أعداء الإسلام بما ورد في تفسير الطبري حيث ورد ما يلي:
[حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} ، قال: وأوصى ربك.]
وأنا أرد وأقول:
أولاً: الرواية السابقة ضعيفة جداً ؛ فالراوي ابن جريج معروف أنه مدلس ولا تُقبَل أحاديثه المعنعنة.
ثم إن الراوي/ القاسم بن الحسن ليس له ترجمة ولا توثيق في كتب الرجال.
والراوي/ الحسين بن داود المصيصي المعروف بــ(سنيد) هو ضعيف.
بالإضافة إلى أن الرواية السابقة لم تذكر شيئاً عن تحريف الآية بل إن مجاهد كان يفسر الآية حيث فسَّر عبارة [قضى ربك] بأنها [أوصى ربك].
=====================
ثامناً:
يستشهد أعداء الإسلام بما ذكره الإمام عبد الرزاق الصنعاني في (تفسير القرآن) حيث ذكر ما يلي:
[عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ: فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ {وَوَصَّى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ}.]
وأنا أرد وأقول:
الرواية السابقة هي رواية ضعيفة كما قلنا من قبل ؛ فالراوي قتادة مدلس ولا تصح روايته التي لم يصرح فيها بالسماع. ثم إن قتادة لم يقابل ابن مسعود أصلاً ولم يسمع منه شيئاً فماً لفم.
وهناك مشكلة أخرى في السند وهي أن روايات معمر عن قتادة بها مشكلة نظراً لأن معمر سيء الحفظ لأحاديث قتادة كما بينت من قبل في منشور سابق على موقعي هذا.
===================
===================
تاسعاً:
يستشهد أعداء الإسلام بما ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره حيث قال:
[حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ الْهُذَيْلِ ، عَنْ مُقَاتِلٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ كَانَ فِي الْمُصْحَفِ : (وَوَصَّى رَبُّكَ) ، فَالْتَزَقَ الْوَاوُ بِالصَّادِ]
وأنا أرد وأقول:
الحديث السابق هو حديث مكذوب ؛ فالراوي مقاتل بن سليمان هو راوٍ كذاب يخترع الأحاديث الزائفة كما أخبرنا علماء الإسلام.
والراوي/ الهذيل بن حبيب الدنداني هو راوٍ مجهول الحال وليس له توثيق في كتب الحديث.
والراوي/ الضحاك بن مزاحم لم يدرك ابن مسعود ولم يسمع منه شيئاً أصلاً.
وهناك مشاكل أخرى في سند الحديث.
===============
وأخيراً:
بعد أن ذكر الإمام ابن عطية كلام مَن زعموا أن الآية الصحيحة هي {ووصَّى ربك} بدلاً من {وقضى ربك} ، فإن الإمام ابن عطية علَّق على كلامهم مشيراً إلى أن هذا الإدعاء ضعيف؛ لأن القراءة {ووصى ربك} مروية بسند ضعيف ، ولا تصح القراءة الشاذة المنسوبة إلى ابن عباس بأن الواو لزقت بالصاد.
=========================
إلى هنا ، أكون قد فندت الشبهة بالكامل بفضل الله تعالى
لا تنسونا من صالح دعائكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته