مضمون الشبهة:
يزعم أعداء الإسلام أن القرآن تم تحريفه والتلاعب به وأن به أخطاءً لغويةً، ويستدل أعداء الإسلام بالحديث التالي عن السيدة عائشة:
[حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ لَحْنِ الْقُرْآنِ عَنْ قَوْلِهِ : {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} سورة طه آية 63 ، وَعَنْ قَوْلِهِ : {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} سورة النساء آية 162 , وَعَنْ قَوْلِهِ : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} سورة المائدة آية 69 , فَقَالَتْ : "يَا ابْنَ أُخْتِي ، هَذَا عَمَلُ الْكُتَّابِ أَخْطَأُوا فِي الْكِتَابِ".]
=================
الرد على هذه الشبهة السخيفة:
أولاً:
الحديث السابق هو حديث ضعيف ولم تَثبت نسبته إلى السيدة عائشة.
فالراوي الذي روى هذه الرواية هو أبو معاوية الضرير ، ومشكلته أنه كان يخطيء في الأحاديث التي يأخذها من أشخاص غير الأعمش، ولذلك قال عنه أحمد بن حنبل:
[في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظاً جيداً]
وقد كان الراوي أبو معاوية الضرير يخطيء فيما ينسبه للراوي هشام بن عروة ، ولذلك قال عنه الإمام أبو داود:
[أبو معاوية إذا جاز حديث الأعمش كَثُرَ خطؤه: يخطئ على هشام بن عروة، وعلي بن إسماعيل، وعلى عبد الله بن عمر.]
وقد سأل أبو داود الإمامَ أحمدَ فقال: «كيف حديث أبي مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ؟ فقال الإمام أحمد: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إِلَى النَّبِيِّ ﷺ»، انظر «التهذيب» (٩/ ١٣٩)
وهذا يدل على أخطاء الحديث الذي ينقله أبو معاوية عن هشام بن عروة.
ووصف ابن حجر العسقلاني والذهبي بأن أبا معاوية قد يَحدُث له أوهام عندما يروي أحاديث لغير الأعمش.
والمشكلة الأخرى أن الراوي أبا معاوية الضرير كان يدلس في الإسناد ، وهذا ما أخبرنا به يعقوب بن شيبة السدوسي ، وابن سعد ، وأحمد بن حمزة بن أبي طاهر.
والمدلس لا تُقبَل عنعته ولا تُقبَل روايته إلا إذا صرَّح بالسماع ، والراوي أبو معاوية لم يصرح بسماع هذا الحديث من هشام بن عروة.
والمشكلة الأخرى في السند هي أن أحاديث العراقيين التي أخذها العراقيون من هشام بن عروة هي أحاديث بها أوهام وأخطاء ؛ لأن هشام بن عروة حين ذهب إلى العراق توسع في نشر الأحاديث هناك ، وكان يأخذ أحاديث الآخرين فينسبها مباشرة إلى أبيه بالخطأ.
قال شمس الدين الذهبي في كتاب (سير أعلام النبلاء) - ط الرسالة ٦/٤٦ — ما يلي:
[وَقَالَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ: هِشَامٌ ثَبْتٌ، لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ مَصِيْرِهِ إِلَى العِرَاقِ، فَإِنَّهُ انبَسَطَ فِي الرِّوَايَةِ، وَأَرْسَلَ عَنْ أَبِيْهِ مِمَّا كَانَ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِيْهِ.
قُلْتُ: فِي حَدِيْثِ العِرَاقِيِّيْنَ عَنْ هِشَامٍ أَوهَامٌ تُحْتَمَلُ، كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيْثِهِم عَنْ مَعْمَرٍ أَوهَامٌ.]
والخلاصة أن الحديث السابق هو حديث ضعيف لم تَثبُت نسبته إلى السيدة عائشة وقد أخطأ مَن ظن أن هذا الحديث صحيح الإسناد.
وقد رد الدكتور/ منقذ السقار - على هذه الشبهة في كتابه (تنزيه القرآن الكريم عن دعاوي المبطلين صــ 217) حيث قال:
[ما أورده أبو عبيد في «فضائل القرآن» من خبر يرويه أبو معاوية الضرير من طريق هشام بن عروة بسنده إلى أم المؤمنين عائشة أنها قالت لعروة بن الزبير: ((يا ابن أختي، هذا عمل الكتاب أخطؤوا في الكتاب)) ، فهذا الخبر لا يصح سندًا، وهو منكر متنًا.
فأما ضعف إسناده فسببه أبو معاوية الضرير، قال عنه المزي: "روى أبومعاوية عن عبيد الله بن عمر أحاديث مناكير .. قال ابن خراش: صدوق، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره فيه اضطراب».
وأما الذهبي في ميزان الاعتدال فنقل عن الإمام أحمد قوله عنه: «هو في غير الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيدًا، علي بن مسهر أحب إلي منه في الحديث».
ثم قال الذهبي: «وقد اشتهر عنه الغلو، أي غلو التشيع».
وقال أبو داود: «أبو معاوية إذا جاز حديث الأعمش كثر خطؤه، يخطئ على هشام بن عروة، وعلي بن إسماعيل، وعلى عبد الله بن عمر»، وهذا الأثر يرويه أبو معاوية عن هشام، فروايته مما يظن فيه الاضطراب.
وأعلَّ يعقوبُ بن شيبة أبا معاوية بعلة أخرى هي التدليس، فقال عنه: «ثقة ربما دلس، وكان يرى الإرجاء» ، ومن المعلوم في قواعد الرواية أن المدلس يقبل حديثه إذا صرح بالتحديث ((أي قال: حدثني فلان))، ويتوقف فيه إذا عنعنه ((أي قال: عن فلان))، وقد عنعن أبو معاوية في هذه الرواية، وهو ينقلها عن هشام بن عروة.
فهذه العلل ظلمات بعضها فوق بعض، وكلها تضعف الرواية من جهة إسنادها، ولا تشفع لها ولا تقويها رواية ابن شبة التي يرويها عن أحمد بن إبراهيم الموصلي عن علي بن مسهر، لضعف الموصلي أحمد بن إبراهيم، فقد وصفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بأنه «لا بأس به»، وهي عند علماء الجرح لا تفيد توثيقًا لروايته، كما لا تفيد جرحًا.
وأما شيخه في هذه الرواية، ابن مسهر فقال عنه ابن حجر: «قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعد أن أضر» ، فمن كان هذا حاله ترد عليه غرائبه، وتطوى ولا تُروى.]
وقال الدكتور/ يوسف العيساوي - في كتاب (رد البهتان عن إعراب آيات من القرآن الكريم) ١/٢٢ — ما يلي:
[الأثر الثاني: اُنتقِدَ من قِبل أبي معاوية، وهشام بن عروة:
أمّا أبو معاوية الضرير، فهو محمد بن خازم، الكوفِيّ، قال عنه الإمام أحمد: «أبو معاوية الضرير، في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظاً جيداً»، وقال الحافظ ابن حجر: ((قال أبو داودة قلتُ لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبيّ ﷺ)). وهناك بعض الباحثين يرون الخطأ من قِبَل هشام بن عروة، وأوضح الدكتور سعد بن عبد الله آل حميِّد هذا الأمر بقوله: «وليس الخطأ فيه من أبي معاوية؛ لأنه قد تُوبع، فيحتمل أنْ يكون الخطأ من هشام بن عروة؛ فإنّ الذي حدَّث بهذا الحديث عنه من أهل العراق، وهما: أبو معاوية هنا، وعليّ بن مُسْهر كما سيأتي، وكلاهما كوفي، ورواية العراقيين عن هشام بن عروة فيها كلام سبق ذكره».
والذي سبق ذكره ما جاء في (سير أعلام النبلاء): «وقال يعقوب بن شَيْبة: هشام لم يُنكر عليه إلَّا بعد مصيره إلى العراق؛ فإنّه انبسط في الرواية، وأرسل عن أبيه مما كان سمعه من غير أبيه عن أبيه.
قلتُ: في حديث العراقيّين عن هشام أوهام تُحتمل».
لذا كان صواباً ما قرر أئمّتنا على هذه الروايات بعدم الصّحة، قال أبو بكر الأنباريّ، فيما نُسِب إلى عثمان: «لا تقومُ بها حجّة؛ لأنها منقطعة غير متصلة»، وقال الباقلانيّ: «في نقلهِ من الاضطراب ما يوجب ترك الإصغاء
إليه، والعمل عليه»، وقال المهدوي: «هذا الخبر لا يصح».
وكذا ما نُسِب إلى أُم المؤمنين عائشة ، فهو لا يصح أبدًا، قال الباقلانيّ: «ولا سبيل إلى العلم بصحتها لا من ناحية الضرورة، ولا من جهة الدليل»، وقال الرازيّ: «إنّ المسلمين أجمعوا على أنّ ما بين الدفّتين كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحنًا وغلطًا؛ فثبت فساد ما نُقِل عن عثمان وعائشة أنّ فيه لحنًا وغلطًا»، وقال ابن هشام الأنصاريّ: «وهذا أيضًا بعيدُ الثبوت عن عائشة، فإنّ القراءات كلّها موجهة».
فخلاصة القول: إنّ هذه الروايات باطلة، ومردودة بائدة، وليس لذي عقل ونصفة أنْ يعارض بهذا الباطل ما ثبت بالتواتر جيلًا إثر جيلٍ إلى يومنا هذا.
الوجه الثاني: هذه الروايات مهما يكن سندها - عند بعضٍ - صحيحًا؛ فهي مخالفة للتواتر القاطع، ومعارض القاطع مردود.
قال الفخر الرازي: «المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله ﷺ، فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟».
وقال الدكتور محمد أبو شهبة: «إن هذه الرواية غير صحيحة عن عائشة. وعلى فرض صحتها، فهي رواية آحادية لا يَثبُت بها قرآن، وهي معارضة للقطعيّ الثابت بالتواتر، فهي باطلة ومردودة، ولا التفات إلى تصحيح مَنْ صحح هذه الرواية وأمثالها؛ فإن مِنْ قواعد المحدثين: أنّ مما يدرك به وضع الخبر، ما يؤخذ من حال المرويّ كأنْ يكون مناقضًا لنصِّ القرآن، أو السنَّة، أو الإجماع القطعيّ، أو صريح العقل، حيث لا يُقبل شيءٌ من ذلك التأويل، أو لم يحتمل سقوط شيءٍ منه يزول به المحذور، وهذه الروايات مخالفة للتواتر القطعيّ، الذي تلفته الأُمة بالقبول؛ فهي باطلة لا محالة».
الوجه الثالث: الأخذ بهذه المرويات الباطلة يقود إلى الطعن في الصحابة ، لا سيّما فيمن جاءت عنهم هذه الروايات، فَهُم القدوة والأئمة؛ إذ لو وَجَدوا في المصحف لحنًا لَمَا فوضوا إصلاحه إلى غيرهم مِنْ بعدهم، مع تحذيرهم من الابتداع، وترغيبهم في الاتّباع. وهم أهل العدالة والتثبّت، والفهم الثاقب، وأهل اللّسان، العلماء بوجوه الخطاب، وما لا يجوزُ في الإعراب]
وقال الأستاذ/ محمد بكر إسماعيل - في كتاب (دراسات في علوم القرآن) - ١/١٣٠ — ما يلي:
[قال الأستاذ قدوري في «رسم المصحف»: وقد تحدَّث العلماء عن هذه الأخبار، وما قِيلَ في معناها، فضعَّف بعضهم روايتها، وردَّها لذلك، وتأوَّل بعضهم ما ورد فيها من معنى الخطأ واللحن.]
=================
إلى هنا ، أكون قد فندت الشبهة بالكامل بفضل الله تعالى
لا تنسوا نشر المقال أو نسخه
لا تنسونا من صالح دعائكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته