مضمون الشبهة:
يزعم أعداء الإسلام أن هناك آيات ضاعت من مصحف المسلمين مثل آية الرجم التي تقول:
{الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم}
ويستدل أعداء الإسلام بالحديث التالي:
[عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ».]
ويستدل أعداء الإسلام بهذا الحديث أيضاً:
[عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: مَا أَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ إِذَا أُحْصِنَ الرَّجُلُ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ حَمْلٌ أَوْ اعْتِرَافٌ، وَقَدْ قَرَأْتُهَا: {الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ} ، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ.]
===============
الرد على هذه الشبهة السخيفة:
أولاً:
المصحف الذي بين أيدينا اليوم ما ضاعت منه أي آية بل هو كامل مطابق لِما أنزله الله على نبينا محمد وراجعه جبريل للنبي في العرض الأخير قبل موته.
وأما بالنسبة لما يُسمَى بــــ(آية الرجم) ، فإن النبي لم يأمر بكتابتها ضمن آيات القرآن الكريم أصلاً، ولذلك ورد حديث صحيح في مسند أحمد (21060) وهو كالتالي:
[حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الْعَاصِ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَكْتُبَانِ الْمَصَاحِفَ ، فَمَرُّوا عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ زَيْدٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : {الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ} ، فَقَالَ عُمَرُ : لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، فَقُلْتُ : أَكْتِبْنِيهَا (أَكْتُبُهَا؟) ، قَالَ شُعْبَةُ: فَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْخَ إِذَا لَمْ يُحْصَنْ جُلِدَ ، وَأَنَّ الشَّابَّ إِذَا زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ رُجِمَ]
ومعنى الحديث السابق أن آية الرجم عندما نزلت على النبي محمد فإن النبي محمد لم يأذن للصحابة أن يكتبوها، وعند سؤال عمر للنبي عن إمكانية كتابة آية الرجم ، فإن النبي كره كتابتها في الصحف القرآنية كما أشار الحديث السابق.
مع العلم أن الوحي الذي ينزل على النبي محمد ينقسم إلى أنواع وأقسام كالتالي:
1- النصوص القرآنية التي أمر النبي بكتابتها في المخطوطات والصحف وتلاوتها أثناء الوقوف في الصلاة.
2- الأحاديث القدسية التي يتداولها المسلمون بدون أن يضعوها مع النصوص القرآنية ولا يتلونها في الصلاة.
3- الأحاديث النبوية التي يتداولها المسلمون بدون أن يضعوها مع النصوص القرآنية ولا يتلونها في الصلاة.
وهذه الأقسام الثلاثة السابقة تُعتبَر وحياً مُنزَّلاً على النبي محمد وليس القرآن وحده هو المُنزَّل كما يظن البعض بل السُنة النبوية مُنزَّلة أيضاً والأحاديث القدسية مُنزَّلة أيضاً.
وقد أردتُ بهذا أن أوضح للقاريء أنه ليس كل ما ينزل على النبي محمد يُعتبَر ضمن النصوص القرآنية بل قد ينزل أمر أو تشريع على النبي فيأمر النبيُ الصحابةَ بهذا التشريع المُنزَّل ويكون هذا التشريع المُنزَّل ضمن الأحاديث النبوية.
وعندما قال عمر بن الخطاب أن عبارة: [الشيخ والشيخة...] نزلت على النبي ، فإنه لم يقصد أنها جزء من النصوص القرآنية التي نتلوها في صلواتنا بل عمر قصد أن الرجم تشريع وفرض نزل على النبي محمد بدون أن يحدد عمر أن العبارة ضمن النصوص القرآنية، وقد أشار العلاء الأسمندي إلى هذه النقطة في كتابه (بذل النظر في الأصول) صــ330
ولهذا نجد عمر بن الخطاب قال في نفس الحديث: [فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ]
وقد ورد نفس الحديث الصحيح السابق في كتاب (المستدرك على الصحيحين) هكذا:
[حدثني مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ، حدثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، حدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الْعَاصِ وَزَيْدُ بْن ثَابِتٍ، يَكْتُبَانِ الْمَصَاحِفَ، فَمَرَّا عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ زَيْدٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ». فَقَالَ عُمَرُ: لَمَّا أُنْزِلَتْ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: أَكْتُبُهَا؟ ، فَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْخَ إِذَا زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ، جُلِدَ وَرُجِمَ، وَإِذَا لَمْ يُحْصِنْ، جُلِدَ، وَأَنَّ الثَّيِّبَ إِذَا زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ، رُجِمَ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ]
فالنبي لم يأمر بكتابة آية الرجم ضمن الصحف القرآنية أصلاً.
وذكر ضياء الدين المقدسي في (الأحاديث المختارة) حديثاً حسناً يشير إلى أن النبي رفض كتابه آية الرجم ضمن الصحف القرآنية، وهذا الحديث كالتالي:
[أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْمُؤَيَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الإِخْوَةِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِأَصْبَهَانَ ، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَلالُ ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ ، أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَنْصُورٍ ، سِبْطُ بَحْرُوَيْهِ ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى ، حدثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حدثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حدثنا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ ، قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ مَرْوَانَ وَفِينَا زَيْدٌ ، فَقَالَ زَيْدٌ: كُنَّا نَقْرَأُ: {وَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ} ، قَالَ مَرْوَانُ: أَلا كَتَبْتَهَا فِي الْمُصْحَفِ؟ قَالَ: ذَكَرْنَا ذَلِكَ وَفِينَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ: أَنا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَقُلْنَا: فَكَيْفَ؟ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ، قَالَ: فَذَكَرَ كَذَا وَكَذَا ، فَذَكَرَ الرَّجْمَ ، فَأَتَاهُ فَذَكَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الرَّجْمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اكْتُبْنِي آيَةَ الرَّجْمِ ، قَالَ : لا أَسْتَطِيعُ.]
وحتى عمر بن الخطاب عندما خطب خطبته أمام الناس، فإنه أشار إلى أن آية الرجم ليست جزءاً من المصحف أصلاً، وقد ورد هذا في حديث صحيح بمسند أحمد (١٩٩) ، والحديث كالتالي:
[حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ النَّاسَ ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: أَلَا وَإِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ: مَا بَالُ الرَّجْمِ؟ ، وفِي كِتَابِ اللَّهِ الْجَلْدُ!. وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ ، وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ قَائِلُونَ أَوْ يَتَكَلَّمَ مُتَكَلِّمُونَ أَنَّ عُمَرَ زَادَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، لَأَثْبَتُّهَا كَمَا نُزِّلَتْ.]
فهنا ☝، يشير عمر بن الخطاب صراحةً إلى أن آية الرجم لا تُعتبر جزءاً من المصحف الشريف أصلاً ، ولذلك ذكر عبارة: [ما ليس منه] ، وهذا يعني أن الصحابة والتابعين في عهد عمر كانوا يعرفون جيداً أن آية الرجم لا تُعتبَر ضمن المصحف الشريف أصلاً. ولو كان عمر وضعها في المصحف لكانت ستُعَد زيادةً مدسوسةً وتحريفاً للمصحف.
ولذلك ورد حديث صحيح في جامع الترمذي (1347) وهو كالتالي:
[حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ , حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , قَالَ : " رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ، وَرَجَمَ أَبُو بَكْرٍ ، وَرَجَمْتُ ، وَلَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَزِيدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهُ فِي الْمُصْحَفِ ، فَإِنِّي قَدْ خَشِيتُ أَنْ تَجِيءَ أَقْوَامٌ فَلَا يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَكْفُرُونَ بِهِ"]
هل لاحظت أن عمر هنا 👆 يقول: [لولا أني أكره أن أزيد في كتاب الله لكتبته في المصحف]؛ وهذا يعني أن آية الرجم ليست ضمن نصوص المصحف الشريف أصلاً ، ولو وضعها عمر في المصحف فإنه هكذا سيكون قد دس زيادة وحَرَّف المصحف.
ووردت نفس العبارة في بعض الأحاديث هكذا: [وَلَوْلَا أَنْ تَقُولُوا كَتَبَ عُمَرُ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ] ، وهذا يدل على أن آية الرجم لا ينبغي أن تكون جزءاً من المصحف نظراً لاتفاق الصحابة على أنها ليست منه باعتراف عمر بن الخطاب نفسه.
**************
وأما بالنسبة لقول عمر في بعض الروايات: [الرجم في كتاب الله حق...]، فإن عبارة (كتاب الله) هنا يُقصَد بها: شرع الله وفريضته ، وليس المقصود بالكتاب هنا المصحف؛ فكلمة (كتاب) تُستخدَم أيضاً بمعنى: الفريضة والتشريع ؛ وقد وردت كلمة (كتاب) في بعض الآيات القرآنية وكان المقصود بها أحياناً: التشريعات والأوامر والفرائض؛ فمثلاً:
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَاةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ كِتَـابࣰا مَّوۡقُوتࣰا﴾ [النساء ١٠٣]
فكلمة (كتاب) في الآية السابقة تعني: فريضة وتشريع ، وليس المقصود بها هنا المصحف.
وقال الله تعالى:
﴿۞ وَٱلۡمُحۡصَنَـاتُ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَیۡمَـانُكُمۡ * كِتَـابَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ﴾ [النساء ٢٤]
وعبارة [كتاب الله عليكم] في الآية السابقة تعني: فرض الله عليكم فرضاً.
* وقد وردت عبارة [كُتِبَ عليكم] في القرآن بمعنى: فرض عليكم ، مثل قول الله تعالى:
﴿كُتِبَ عليكم الصيام﴾، ﴿كُتِبَ عليكم القصاص قي القتلى﴾، ﴿كُتِبَ عليكم القتال﴾....
والخلاصة مما سبق أن قول عمر: [الرجم في كتاب الله حق...] ، هو هنا لا يقصد بالكتاب المصحف بل يقصد أن الرجم تشريع وفرض، ولهذا وَصَفَ عمرُ الرجمَ بأنه فريضة قائلاً: [فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله]
ولكي أؤكد لك صحة كلامي فإني سأقتبس لك من كلام الإمام الشاطبي
* يقول الأستاذ/ عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى - في كتاب (عقوبتا الزاني والمرتد ودفع الشبهات) ١/٩١ — ما يلي:
[يقول الإمام الشاطبي: رداَ على دعوى مخالفة الرجم والتغريب للقرآن الكريم، قال: «هذا اتباع للمتشابه، لأن الكتاب في كلام العرب، وفي الشرع يتصرف على وجوه منها الحُكم والفرض ، كما في قوله تعالى: ﴿كتاب الله عليكم﴾ ، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عليكم الصيام﴾، وقال سبحانه: ﴿وقالوا ربنا لِما كتبت علينا القتال﴾
فكان المعني: لأقضين بينكما بكتاب الله؛ أي بحكم الله الذي شرع لنا، ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم في القرآن»]
وحتى لو افترضنا أن عمر يقصد بالكتاب المصحف نفسه فإنه هكذا سيكون قصده أن الله أوحى لنبيه آيات في القرآن بأنه يجب أن يُظهِر ما أخفاه اليهود ، وكان ما أخفاه اليهود بحسب الروايات هو شريعة الرجم ، فأمر الله نبيه بإظهار شريعة الرجم التي أخفوها وإقامتها ، وهذا ما سنبينه بعد قليل.
وأما عن سبب وصف آية الرجم بـأنها (آية) ، فقد ورد حديث حسن عن ابن عباس حيث يخبرنا أن الله أنزل الرجم في التوراة ، وكان اليهود يخفون آية الرجم من التوراة التي كانت موجودة أيام النبي في المدينة المنورة؛ فأوحى الله إلى نبيه أن الرجم هو شرع الله المُنزَّل وأنه موجود في تلك التوراة وأن النبي يجب أن يحكم بالرجم الذي أنزله الله ، فأخبر النبيُ اليهودَ بأنه سيطبق شرع الله في الرجم كما أنزله.
ورد في السنن الكبرى للنسائي 10626 ما يلي:
[أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ: أَبِي أخبرنا ، عَنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ يَزِيدَ 8369 . وَأخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُقَيْلٍ ، أخبرنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: "مَنْ كَفَرَ بِالرَّجْمِ ، فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} سورة المائدة آية 15، فَكَانَ مِمَّا أَخْفَوِا الرَّجْمَ".]
ويشهد لهذا الحديث ما ورد في صحيح مسلم وغيره حيث قال:
[حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ: " مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا ، فَدَعَاهُمْ النَبيُ، فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ ، قَالُوا: نَعَمْ ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ ، قَالَ: لَا وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا ، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، .... ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} سورة المائدة آية 44 ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} سورة المائدة آية 45 ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة المائدة آية 47 فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا]
وورد في صحيح البخاري ما يلي:
[أنَّ اليَهُودَ جاؤُوا إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا له أنَّ رَجُلًا منهمْ وامْرَأَةً زَنَيا، فَقالَ لهمْ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ في شَأْنِ الرَّجْمِ. فَقالوا: نَفْضَحُهُمْ ويُجْلَدُونَ، فَقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ إنَّ فِيها الرَّجْمَ فأتَوْا بالتَّوْراةِ فَنَشَرُوها، فَوَضَعَ أحَدُهُمْ يَدَهُ على آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ ما قَبْلَها وما بَعْدَها، فَقالَ له عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذا فِيها آيَةُ الرَّجْمِ، فَقالوا: صَدَقَ يا مُحَمَّدُ، فِيها آيَةُ الرَّجْمِ، فأمَرَ بهِما رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِما، قالَ عبدُ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ على المَرْأَةِ يَقِيها الحِجارَةَ.]
فآية الرجم هي تشريع أنزله الله في تلك التوراة، وقد أمر الله نبيه بهذا التشريع المُنزَّل.
ولهذا قال المفسر/ يحيى بن سلام - في تفسيره ١/٤٢٤ — ما يلي:
[وَأَمَّا الرَّجْمُ فَهُوَ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَفِي مُصْحَفِنَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤] حَيْثُ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودِيَّيْنِ حِينَ ارْتَفَعُوا إِلَيْهِ.]
وبالتالي تكون آية الرجم في الأصل موجودة في التوراة ولكن اليهود أخفوها أو حرفوها ، فأنزل الله آيات قرآنية لتأمر النبي بإظهار ما أخفاه اليهود لشريعة الرجم وإقامتها كما بينت الروايات.
وأما بالنسبة لقول عمر عن آية الرجم: [فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها] ، فإن هذه العبارة لا تدل على أن آية الرجم كانت جزءًا مكتوباً في المصحف الشريف؛ وذلك نظراً لعدة أسباب منها أن كلمة (قرأ) بحسب اللغة العربية لا تشترط النظر إلى كلام مكتوب ؛ ولهذا نلاحظ أن جبريل قال للنبي في أول لقاء له: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ بالرغم من أن النبي كان أمياً حينها ولم يكن معه أي مصحف أو آيات مكتوبة.
- وفي اللغة العربية نقول: قرأ الطالبُ الدرسَ عن ظهر قلب ؛ أي أنه تلا الدرس من حفظه وذاكرته بدون أن ينظر في كلام مكتوب.
- وتأتي كلمة (قرأ) أيضاً بمعنى: فهم وحلَّل ، ولهذا نقول في اللغة العربية: فلان قرأ الموقف بكل حنكة، وقرأ ما بين السطور ؛ أي فهم.
- وتأتي كلمة (قرأ) أحياناً بمعنى: أبلغ، ولهذا نقول في اللغة العربية: قرأ فلان عليه سلامي ؛ أي أبلغه سلامي.
وتأتي كلمة (قرأ) بمعنى: جمع، ولهذا نقول: قام أبو بكر بقرءِ القرآن ؛ أي جمعه.
وتأتي كلمة (قرأ) بمعنى: درس ، ولهذا نقول في اللغة العربية: قرأتُ النحو على أستاذي؛ أي درست النحو على يديه.
ثم إن كتابة آية الرجم لا تشترط أن تكون ضمن المصحف بل قد تكون ضمن أي شيء آخر ؛ فمثلاً: بعض الصحابة كانوا يكتبون الأحاديث النبوية أيضاً بالرغم من أنها ليست قرآن.
وحتى لو افترضنا أن آية الرجم كانت جزءاً من الآيات القرآنية ، فإن الأئمة والشيوخ قالوا أن الله رفعها من القرآن الكريم وألغى تلاوتها، وهذا ما يُعرَف بــــ نسخ التلاوة، وبالتالي لم يعد المسلم ملزَماً بتلاوتها.
************
وهناك سؤال يخطر في بال البعض وهو: هل عمر كان كل ما يخشاه هو كلام الصحابة عليه إذا ما حاول إضافة آية الرجم إلى المصحف، وهل هو إذن كانت نيته أن يحرف المصحف لو يكن أحد من الصحابة يراه؟!
وأنا أرد وأقول:
الأحاديث الصحيحة تبين لنا أنه كان هناك سببان لرفض عمر إضافة آية الرجم إلى المصحف ، والسبب الأول هو أنه يكره أن يحرف المصحف نظراً لتقواه وخوفه من الله ، ولهذا نجد عمر يقول: [وَلَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَزِيدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهُ فِي الْمُصْحَفِ].
وأما السبب الثاني ، فهو معارضة الصحابة له إذا فعل ذلك.
************
سؤال آخر:
هل هناك تناقض بين القرآن الذي يأمر بجلد الزاني والأحاديث التي تأمر بالرجم؟!
وأنا أرد وأقول:
أولاً:
الأحاديث النبوية لا تعارض القرآن بل إن الأحاديث نفسها أشارت إلى أن الزاني الغير متزوج يُقام عليه حد الجلد كما أمر القرآن.
أما الزاني المتزوج أو المطلق، فقد أشارت الأحاديث إلى أنه يُجلَد كما أمر القرآن ثم يُرجَم كما ورد في السُنة النبوية ؛ أي أن الأحاديث لم تقم بإلغاء حد الجلد كما يزعم منكرو السُنة بل إن الأحاديث أقرت حد الجلد للزاني كما أمر القرآن ثم أضافت عقوبة الرجم بعد الجلد للزاني المتزوج أو المطلق.
ورد في صحيح مسلم ما يلي:
[حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ، وَنَفْيُ سَنَةٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ" ، وحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.]
=============
الجزء الثاني:
في هذا الجزء سنناقش بعض الأحاديث الواردة بشأن آية الرجم ، وهي كالتالي:
أولاً:
ورد في سنن النسائي ومعجم الطبراني وفضائل القرآن للقاسم بن سلام ما يلي:
[عَنْ مَرْوَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي ، قَالَتْ: لَقَدْ أَقْرَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ آيَةَ الرَّجْمِ: {الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ بِمَا قَضَيَا مِنَ اللَّذَّةِ}.]
والحديث السابق حديث ضعيف ولا تَثبت نسبته؛ فالذي رواه هو الراوي/ مروان بن عثمان بن أبي سعيد الزرقي ، وهو ضعيف الحديث، بل إن الإمام النسائي وصفه بالكذب على الله.
ثانياً:
ورد حديث ضعيف في مسند أبي داود وهو كالتالي:
[حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَامَ فِينَا ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلا إِنَّ الرَّجْمَ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ، فَلا تُخْدَعُنَّ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ، وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ، وَرَجَمَ أَبُو بَكْرٍ ، وَرَجَمْتُ".]
والحديث السابق ضعيف؛ فهو من رواية الراوي/ علي بن زيد بن جدعان ، وهو ضعيف الحديث.
ثالثاً:
ورد حديث ضعيف في عدة كتب وهو كالتالي:
[عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ قَالَ لي أُبي بن كعب: كائن تقرأ سورة الأحزاب أو كائن تَعِدُّهَا قُلْتُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً ، قَالَ: قَطُّ لَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُعَادِلُ الْبَقَرَةَ وَلَقَدْ كَانَ فِيمَا قَرَأْنَا فِيهَا: {الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}]
والحديث السابق ضعيف ؛ فالذي رواه هو الراوي/ عاصم بن بهدلة الأسدي ، وهو كان أحد الصادقين وأحد القراء الحافظين للقرآن لكنه كان ضعيفاً في الحديث نظراً لكثرة أخطائه واضطرابه في نقل الأحاديث بل إنه كان يخطيء حتى في ذِكر سند الحديث ولذلك تراه يخلط بين شيخه زر بن حبيش وأبي وائل؛ ولذلك قال عنه ابن سعد:
[عاصم ثقة، إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه]
وقال عنه الإمام يعقوب بن سفيان الفسوي:
[عاصم في حديثه اضطراب، وهو ثقة]
* وقد علَّق الهيثمي على هذا الحديث في كتاب (موارد الظمآن) (٢/٧٨٦) قائلاً:
[في إسناده عاصم بن أبي النجود وقد ضُعِّفَ]
* وقال البوصيري في كتاب (إتحاف الخيرة المهرة) (٦/٢٥٧) ما يلي:
[ومدار أسانيدهم على عاصم بن أبي النجود وهو ضعيف.]
* وقال عنه الشيخ/ شعيب الأرنؤوط، في تخريج المسند (٢١٢٠٦):
[إسناده ضعيف .... عاصم بن بهدلة -وإن كان صدوقًا- تقع له أوهام بسبب سوء حفظه، وهذا الحديث يُعَدُّ في أوهامه، ثم إن في هذا المتن نكارة، وهي قوله: «لقد قرأتها مع رسول الله ﷺ».]
فالخلاصة أن حديث عاصم حول سورة الأحزاب وآية الرجم هو حديث ضعيف لم يَثبت ، وذلك نظراً لكثرة أخطاء الراوي عاصم في نقله للحديث ، ولذا نلاحظ أن الإمام البخاري ومسلم لم يكونا يعتمدان على الراوي عاصم لوحده إذا أرادا أن يعرفا صحة أي حديث بل كانوا يلجؤون إلى الاستدال بحديث رواة آخرين بجانب أحاديث عاصم لكي يتأكدوا من كلام عاصم.
مع العلم أن حديث عاصم السابق حول سورة الأحزاب والرجم لم يُذكَر في صحيح البخاري ومسلم.
وورد نفس الحديث بسند آخر ضعيف كالتالي:
[عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ: كَمْ تَقْرَءُونَ سُورَةَ الْأَحْزَابِ ؟ قَالَ: بِضْعًا وَسَبْعِينَ آيَةً ، قَالَ: لَقَدْ قَرَأْتُهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مِثْلَ الْبَقَرَةِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا ، وَإِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ.]
رابعاً:
أورد ابن الضريس في (فضائل القرآن) حديثاً ، ونقله ابن حجر والسيوطي، وهو كالتالي:
[عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ لا تشكوا فِي الرَّجْمِ فَإِنَّهُ حَقٌّ وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَكْتُبَهُ فِي الْمُصْحَفِ فَسَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: أَلَست أَتَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَقْرِئُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَفَعْتَ فِي صَدْرِي وَقُلْتَ: تَسْتَقْرِئُهُ آيَةَ الرَّجْمِ وَهُمْ يَتَسَافَدُونَ تَسَافُدِ الْحُمُرِ؟!]
والحديث السابق ضعيف ولم تثبت الواقعة فيه؛ فبالرغم من أن يَعلَى بن حكيم وزيد بن أسلم أناس ثقات لكن السند منقطَع؛ فالراوي/ زيد بن أسلم لم يعاصر عمر بن الخطاب أصلاً ولا سمع منه شيئاً، فمن أين أتى بهذا الكلام وهذه القصة عن عمر؟!
خامساً:
نسب السيوطي حديثاً إلى ابن الضريس حيث قال:
[وَأخرج ابْن الضريس عَن عِكْرِمَة قَالَ: كَانَت سُورَة الاحزاب مثل سُورَة الْبَقَرَة أَو أطول وَكَانَ فِيهَا آيَة الرَّجْم]
والحديث السابق ضعيف جداً أصلاً ولا يمكن إثبات مصداقيته؛ فالحديث ليس فيه إسناد ، والراوي/ عكرمة ليس صحابياً ولم يعاصر نزول الوحي على النبي.
سادساً:
ذكر عبد الرزاق في مصنفه وابن عبد البر وغيرهم حديثاً كالتالي:
[عَنِ على بن زيد بنِ جُدْعَانَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ , يَقُولُ: " أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُنَادِيًا فَنَادَى أَنَّ الصَّلاةَ جَامِعَةٌ ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، لا تُخْدَعُنَّ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ ، فَإِنَّهَا قَدْ نَزَلَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَرأَنَاهَا ، وَلَكِنَّهَا ذَهَبَتْ فِي قُرْآنٍ كَثِيرٍ ذَهَبَ مَعَ مُحَمَّدٍ ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رَجَمَ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَجَمَ ، وَرَجَمْتُ بَعْدَهُمَا ، وَإِنَّهُ سَيَجِيءُ قَوْمٌ مِنَ هَذِهِ الأُمَّةِ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ....".]
وهذا الحديث ضعيف ؛ فالذي رواه هو الراوي/ علي بن زيد بن جدعان ، وكان شيعياً رافضياً ضعيف الحديث يخطيء فيه كثيراً ، ولذا لا يحتج به علماء الحديث.
سابعاً:
نسب السيوطي حديثاً لابن مردويه حيث يقول:
[وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن حُذَيْفَة قَالَ: قَالَ لي عمر بن الْخطاب: كم تَعدونَ سُورَة الاحزاب؟! ، قلتُ: اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَسبعين قَالَ: إِن كَانَت لتقارب سُورَة الْبَقَرَة وان كَانَ فِيهَا لآيَة الرَّجْم.]
ولكن الحديث السابق ضعيف ولا يمكن إثباته ، والسيوطي هو أول مَن زعم هذا الحديث ونسبه إلى ابن مردويه عن حذيفة!
والسيوطي معروف بأنه يُكثِر من هذا الفعل الغريب بدون أن يقدم أي دليل أو سند.
والحديث السابق بلا إسناد ولا يوجد دليل عليه أصلاً، مع العلم أن السيوطي لم يعاصر ابن مردويه بل بينهما فجوة زمنية بحوالي 439 سنة تقريباً.
===============
والآن ، ننتقل إلى جزئية مهمة وهى مناقشة بعض الأحاديث المذكورة حول القرآن الكريم والتي منها ما يلي:
أولاً:
ورد في التاريخ الكبير للبخاري ما يلي:
[حدَّثني مُحَمد أَبو يَحيى، حدَّثنا مُحَمد بن سُليمان بن حَبيب الأَسَدِيّ، حدَّثنا عَبد اللهِ بْنُ الزُّبَير، أَبو أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيري الأَسَدِيّ، عَنْ عَبد اللهِ بْنِ شَريك الْعَامِرِيِّ، عَنْ أَبيه، سَمِعتُ حُذَيفة؛ قَرَأتُ سُورَةَ الأَحزابِ عَلى النَّبيِّ ﷺ، فَنَسِيتُ مِنها سَبعِينَ آيَةً مَا وجَدتُها.]
والحديث السابق حديث ضعيف جداً؛ فالذي رواه هو الراوي/ عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم ، وهو راوٍ ضعيف الحديث ولا يُكتَب حديثه.
والراوي/ عبد الله بن شريك العامري لم يكن قوياً في الحديث كما قال الإمام ابن أبي حاتم والنسائي.
والراوي/ شريك بن أرطأة العامري ليس له توثيق في كتب الرجال.
والحديث بأكمله ضعيف كما ذكر الأستاذ الدكتور/ محمد بن عبد الكريم بن عبيد - في كتاب (تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في كتاب التاريخ الكبير) ٣/١١٥٠
********
ثانياً:
ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب (فضائل القرآن) حديثاً كالتالي:
[حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : "كَانَتْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ تُقْرَأُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ مِائَتَيْ آيَةٍ ، فَلَمَّا كَتَبَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ لَمْ يَقْدِرْ مِنْهَا إِلا عَلَى مَا هُوَ الآنَ"]
والحديث السابق هو حديث ضعيف جداً؛ فالذي رواه هو ابن لهيعة ، واسمه: عبد الله بن لهيعة الحضرمي ، وهو ضعيف الحديث.
ولذا علَّق عليه الإمام الطاهر بن عاشور - في تفسيره (التحرير والتنوير) ٢١/٢٤٦ — قائلاً ما يلي:
[وَمَا رَوَاهُ أَبُو عَبِيدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ بِسَنَدِهِ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ تُقْرَأُ فِي زَمَانِ النَّبِيءِ ﷺ مِائَتَيْ آيَةٍ فَلَمَّا كَتَبَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ لَمْ يَقْدِرْ مِنْهَا إِلَّا عَلَى مَا هُوَ الْآنَ. وَكَلَامُ الْخَبَرَيْنِ ضَعِيفُ السَّنَدِ]
وورد تعليق على هذا الحديث الضعيف في هامش كتاب (معترك الأقران في إعجاز القرآن) ١/٩٥ ، حيث ورد ما يلي:
[هذه رواية لا تصح ولا تثبت، وهي تتعارض مع قول الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وهل يُعقَل أن يتواطأ الصحابة على ترك كتابة بعض آيات القرآن، «سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ» وشتان بين نظم هذه الرواية وما يُذكَر بعدها مِن روايات، وبين نَظم القرآن الكريم. فتأمل ولا تكن من الغافلين.]
********
وأخيراً:
أود أن أرد على الشيعة الذي يرددون شبهة آية الرجم ضد أهل السُنة ، وسأثبت لكم بالدليل من كتب الشيعة
وردت روايات شيعية في كتب الشيعة عن آية الرجم ومنها ما يلي:
* ورد في كتاب (وسائل الشیعة) ، الجزء 22 ، الصفحة 437 ما يلي:
[وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ اِبْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنِ اَلْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فِي حَدِيثٍ قَالَ: إِذَا قَالَ اَلرَّجُلُ لاِمْرَأَتِهِ لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ وَلَيْسَ لَهُ بَيِّنَةٌ ، قَالَ: يُجْلَدُ اَلْحَدَّ وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ اِمْرَأَتِهِ ، وَقَالَ: كَانَتْ آيَةُ اَلرَّجْمِ فِي اَلْقُرْآنِ: {وَاَلشَّيْخُ وَاَلشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا اَلْبَتَّةَ بِمَا قَضَيَا اَلشَّهْوَةَ}.]
ونفس الرواية الشيعية وردت في كتاب (تهذيب الأحكام) ، الجزء 8 ، الصفحة 195
وكتاب (بحار الأنوار) ، الجزء 76، الصفحة 34
ووردت نفس الرواية في تفاسير الشيعة مثل تفسير القمي والصافي
* ويقول الدكتور/ أكرم الدليمي - في كتاب (جمع القرآن - دراسة تحليلية لمروياته) ١/٢٨٦ — ما يلي:
[وكذلك فقد اعترف بهذا النَسخ واستدل بهذه الآية (آية الرجم) كبار علماء الشيعة منهم:
١ - أبو علي الفضل الطبرسي، إذ قال: «النسخ في القرآن على ضروب، ومنها ما يرتفع اللفظ ويثبت الحكم كآية الرجم» «٢».
٢ - أبو محمد الطوسي الملقب بشيخ الطائفة، إذ قال: «النسخ في القرآن من أقسام ثلاثة: منها ما نُسخ لفظه دون حكمه كآية الرجم، وهي قوله: {والشيخ والشيخة إذا زنيا}» «٣».
٣ - كمال الدين عبد الرحمن العتائقي الحلي، إذ قال: «المنسوخ على ثلاثة ضروب: منها ما نُسخ خطه وبقي حكمه، فما روي منه: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله}» «٤».
٤ - محمد باقر المجلسي، صحَّح رواية آية الرجم التي بالكافي، وقال: «وعُدَّت هذه الآية مما نسخت تلاوتها دون حكمها» «٥».
(٢) مجمع البيان في تفسير القرآن: ١/ ٤٠٦.
(٣) التبيان في تفسير القرآن: ١/ ١٣.
(٤) الناسخ والمنسوخ للحلي: ٣٥.
(٥) مرآة العقول: ٢٣/ ٢٦٧؛ وينظر: الشيعة الاثنا عشرية وتحريف القرآن، محمد عبد الرحمن السيف: ٩٨.]
-------------------------
إلى هنا ، أكون قد فندت الشبهة بالكامل بفضل الله تعالى
لا تنسوا نشر المقال أو نسخه
لا تنسونا من صالح دعائكم
ومَن استطاع دعمنا مادياً فله جزيل الشكر
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
📄 تحميل أو طباعة المقال بصيغة PDF