مضمون الشبهة:
يزعم أعداء الإسلام أن النبي أمر بقتل غير المسلمين. ويستشهد أعداء الإسلام على ذلك بعبارة: [لا حمى إلا لله ولرسوله] التي وردت في الحديث التالي:
[عَن الصَعب بن جثامة قَالَ: مَرَّ بيَ النَّبيُّ ﷺ بالأبْواءِ -أوْ بوَدّانَ- وسُئِلَ عن أهْلِ الدّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فيُصابُ مِن نِسائِهِمْ وذَرارِيِّهِمْ، قالَ: هُمْ منهمْ، وسَمِعْتُهُ يقولُ: لا حِمى إلّا لِلَّهِ ولِرَسولِهِ ﷺ.]
===================
الرد على هذه الشبهة السخيفة:
أولاً: الحِمى لله ولرسوله ليس لها علاقة بقتل الآخرين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. و(الحِمى) في اللغة العربية هو عبارة عن مكان فيه عشب ومرعى بحيث يخصصه الحاكم لهدف معين.
ولحد اليوم ستلاحظ أننا ما زلنا نستخدم مصطلح (محمية طبيعية)، وهي مأخوذة من كلمة (حمى).
* يقول العالِم اللغوي/ الصاحب بن عباد - في كتابه (المحيط في اللغة) ٣/٢٣٠ — ما يلي:
[الحِمَى: مَوْضِعٌ فيه كَلَأٌ يُحْمَى، وحَمَيْتُ القَوْمَ حِمَايَةً وَمَحْمِيَةً. وكُلُّ شَيْءٍ دَفَعْتَ عنه. وأَحْمَيْتُ المَكانَ: بمعنى حَمَيْتُه.]
* وقال اللغوي/ أحمد رضا - في (معجم متن اللغة) ٢/١٧٣ ما يلي:
[الحِمى والحماء: ما حُمِيَ من شيء كالكلإ يُحمَى فيُمنَع مِن أن يُرعى أو يُداس]
* وقال العالِم اللغوي/ ابن مالك - في كتاب (إكمال الإعلام بتثليث الكلام) ١/١٦٥ — ما يلي:
[والحِمى: أي الموضع المحمى.]
* وقال العلَّامة اللغوي/ ابن سيده - في كتابه (المحكم والمحيط الأعظم) ٣/٤٥٣ — ما يلي:
[وأَحْمَى الْمَكَان. جعله حمي لَا يقرب]
والخلاصة مما سبق أن كلمة (الحِمى) هي مكان مَحمي يُمنَع من انتهاكه.
وإذا رجعنا لعبارة [لا حمى إلا لله ولرسوله] في الحديث، فسنجد معناها أن النبي يوجه أصحابه إلى كيفية التعامل حيال أراضي العدو التي تقع في أيديهم بعد الحرب؛ فالنبي ينهى الجندي عن استغلال الأراضي لمصلحته الذاتية بحيث أنه لا يحق للجندي أن يمتلك تلك الأراضي بدون إذن من القائد؛ لأن ذلك سيؤدي إلى فوضى وتشاجر بين الجنود. بالإضافة إلى أنه لا يجوز للمواطن أن يستحوز على أراضي الملكية العامة ويستغلها لصالحه ولمنفعته الشخصية فقط على حساب غيره أو الدولة.
ونظراً لأن النبي كان قائد المسلمين وحاكمهم فإنه كان يقسم الأراضي وفقاً للوحي السماوي أو كما تقتضي حكمته؛ ولذا كان النبي يخصص بعض الأراضي العشبية لكي تتربى فيها بهائم الصدقة حتى ينفق على الفقراء والمحتاجين ، وكذلك كان النبي يخصص بعض الأراضي لكي ترعى فيها الخيل المخصصة للجهاد والدفاع عن الإسلام. وكان يُمنَع المواطنون العاديون من الاقتراب من تلك الأماكن المحمية أو استغلالها؛ لأن ذلك سيؤثر على إبل الصدقة وخيل الجهاد.
ومن الأمثلة على ذلك أن النبي حمى منطقة النقيع لأجل خيل الجهاد كما ذكر الإمام الزهري في صحيح البخاري.
وورد في صحيح مسلم برقم حديث 2444 ما يلي:
[حدثنا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، وَعَبْدُ بْنُ حميد ، قَالَ إِسْحَاقَ : أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حدثنا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: "حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ، وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَوْ وَجَدْتُ الظِّبَاءَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا مَا ذَعَرْتُهَا."]
من خلال ما سبق ، نجد أن النبي خصص 12 ميل حول المدينة كـحمى (محمية طبيعية) لدرجة أن الصحابي أبا هريرة لم يكن يخيف الظباء فيها.
وهناك معنى آخر صحيح لكلمة (حمى) وهي الأشياء التي يُحرِّمها الله على عباده ولا يجب على المسلم أن يفعلها لأنها حرام؛ فقد ورد في سنن أبي داود 2895 ما يلي:
[حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، وَلَا أَسْمَعُ أَحَدًا بَعْدَهُ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: " إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا ، إِنَّ اللَّهَ حَمَى حِمًى ، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَا حَرَّمَ ، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْعَ حَوْلَ الْحِمَى ، يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَهُ ، وَإِنَّهُ مَنْ يُخَالِطُ الرِّيبَةَ ، يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ". حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ: " وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ ، لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ عِرْضَهُ وَدِينَهُ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ.]
وبالتالي يكون معني عبارة [لا حمى إلا لله ولرسوله]؛ أي أن الله ورسوله هما فقط مَن يخبرانا بالأشياء المُحرَّمة ، ولا يحق لأي شخص آخر أن يُحرِّم أشياءً على مزاجه.
وأخيراً: نستنتج مما سبق أن هذه العبارة ليس لها علاقة بقتل الآخرين كما يزعم أعداء الإسلام.
====================
ثانياً:
وأما بالنسبة لمن يستدلون بتكملة الحديث حيث فيه ما يلي:
ذكر ابن زنجويه وابن حبان الحديث كالتالي:
[عن مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "لا حِمَى إِلا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ". وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَوْلادِ الْمُشْرِكِينَ ، أَنَقْتُلَهُمْ مَعَهُمْ؟ قَالَ: "نَعَمْ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ". ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهِمْ يَوْمَ خَيْبَرَ/حُنَيْنٍ.]
وأنا أرد وأقول:
الحديث السابق بهذه الكيفية والشكلية هو حديث ضعيف غير دقيق ؛ فالذي رواه هو الراوي/ محمد بن عمرو الليثي ، وهو راوٍ صدوق لكنه يخطيء في نقل الأحاديث ولا يصح حديثه للاحتجاج أصلاً. والإمام ابن حبان نفسه قد أخبرنا بذلك.
والحديث الصحيح ليس فيه أن النبي أمر بقتل أبناء المشركين بل فيه أن المشركين أصابوا أبناءهم ونساءهم وقت الغارة.
وأنا كنتُ قد تكلمت في مقال كامل عن موضوع الذراري من المشركين، وهل أمر النبي بقتل أبناء المشركين ونسائهم.
ويمكنك أن تراجع المقال عبر الرابط التالي:
https://the-way-to-happiness-in-life3.blogspot.com/2023/04/blog-post_19.html
===================
لا تنسونا من صالح دعائكم
ومَن استطاع أن يدعمنا مادياً فله جزيل الشكر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
📄 تحميل أو طباعة المقال بصيغة PDF